ابن عربي
19
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
العقل ، والطريق إنما هو بالإيمان والمشاهدة لا بالعقل من حيث قوة فكره ، بل هو من جهة عرفانه وإيمانه ، والحاجر هو الحاجز بين الشيئين ليتميزا ، والأحبة قد حجروا على نفوسهم وأعيانهم ليمتازوا عن سائر المقصودين فإنه قد يصدق الشيء من كونه محبوبا وسببا لاتصال بمحبوب ، ثم أنه أمر لهذا الحادي الذي هو الشوق بالسلام على منازل الأحبة ولكن بعد وقوف ساعة ، وذلك أنّ المحب إذا ورد على منزل الأحبة أخذه دهش وحيرة في أول وروده ، وربما عشي عليه فيدركه كذلك تبلبل ، فلا يوفي الأدب في السلام مع هذا الدهش ، فقال له : قف ساعة حتى يزول عنك الدهش والبهت فتعرف ما تستحقه الأحبة من الأدب في السلام وحينئذ كما قالت العامة : لكل داخل دهشة وهذا ذوق محقق : وناد القباب الحمر من جانب الحمى * تحيّة مشتاق إليكم متيّم يقول لشوقه : إذا سلمت ونظرت إلى اختلاف ألوان القباب فلا تناد منها إلّا القباب الحمر فإنها محل الجمال والمخصوصة بالعرائس المخدرات . ولهذا يقول : حين ذكرت الألوان ، فقالت في الخضرة إنها أنبل ، وقالت في السواد : إنه أهول ، وقالت في البياض : إنه أفضل ، وقالت في الحمرة : إنها أجمل ، ولذا قال ترجمان اليمامة حين قصدته سجاح بعساكرها فقال : انصبوا لها القبة الحمراء فإنها إذا رأتها تشتهي النكاح وخلا بها فيها ، ولهذا نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الركوب على المياثر الحمر ، فلما كان فيها هذا السؤال الشهواني لهذا جعلناها قباب الأحبة لأنّ الحب أعظم شهوة وأكملها ، وقوله : من جانب الحمى يقول : إنها عزيزة المنازل لحجاب العزة الأحمى الأعز من هو أهل لها وهي أهل له كما قال الآخر : فلم تك تصلح إلا له * ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره * لزلزت الأرض زلزالها وجعلها قبة لكون الشكل الكري أفضل الأشكال وأول الأشكال فيقول : إنّ الأحبة في المنازل الأول التي هي عند الحق لا عند شيء فهي من عالم الأمر ، والشكل الكري ليس له أول ولا آخر إلا بحكم العرض فيه كذلك هؤلاء الأحبة الذين هم الحقائق الإلهية الأمر فيها دوري كرّي قال : فإن سلّموا فاهد السلام مع الصّبا * وإن سكتوا فارحل بها وتقدّم يقول : إن ردوا عليك السلام فتعرّف أنك من أهلهم وممن أهّل لهم فابعث سلامهم مع عالم الأنفاس من مقام الميل فإنّ الصّبا الميل ، فلهذا قصد الصّبا دون الجنوب والشمال وغيرها أي أهد السلام مع من ترى من عالم الأنفاس مائلا إلى جهتنا .